رحلة المعلمين وإدارة المدارس إلى وادي حضرموت

على أجنحة من الشوق تحفنا عناية الرحمن وتدفعنا حماسة الشباب توجهنا ظهر يوم الأربعاء 28/11 إلى وادي حضرموت ضمن رحلة المدارس المقررة للمعلمين ورغم المصاعب الجمة التي لم تبدأ باعتذار سائق الحافلة المقرر للرحلة ولم تنتهي عند اعتذار الأستاذ/ خالد قحطان – مدير المدارس – في اللحظة الأخيرة عن عدم حضور الرحلة إلا أننا قررنا المضي في الرحلة.

تناولنا طعام الغداء في مطعم سمرقند وهنا لا أنسى أن أشكر الطالب العزيز/ عبد العزيز الضيفي الذي كان مضيافا بحق الكلمة، توجهنا بعدها وفي تمام الساعة الثانية والنصف بعد الظهر إلى محافظة مأرب التي وصلناها تمام الخامسة حيث استرحنا قليلاً وانطلقنا بعدها عبر صحراء الربع الخالي في اتجاه الوادي توقفنا في منطقة العبر للصلاةمنتظرون لطعام العشاء في مطعم مفرق العبر وتناول طعام العشاء، واصلنا بعدها طريقنا إلى مدينة سيئون عاصمة وادي حضرموت التي وصلناها تمام الحادية عشرة والنصف مساءً، وبسبب سوء ترتيب في مسألة السكن تأخر نومنا حتى الساعة  الواحدة والنصف بعد منتصف الليل.

صورة للمعلمين ويظهر في الخلفية قصر الكثيري ( متحف سيئون حالياً )اليوم التالي بدأ باكراً رغم أننا عدنا إلى النوم بعد صلاة الفجر استيقظنا من نومنا لتناول طعام الإفطار ثم نذهب لزيارة متحف سيئون الذي يقع في قصر الكثيري والذي كان مقر حاكم منطقة سيئون، والقصر بالفعل كبير وأصبح أفضل مما عليه منذ آخر مرة زرته قبل عامين، في منتصف الزيارة اضطررت أنا وأخي عبد الله والأستاذ/ فؤاد العواضي للمغادرة حتى نقوم بترتيب السكن وترتيب المسبح، في مسألة السكن التقينا بالأستاذ/ محسن بادويلة رئيس فرع جمعية الإصلاح الاجتماعي الخيرية في سيئون والذي رغم ارتباطه بالسفر إلى مدينة المكلا إلا أنه لم يغادر حتى تأكد من ترتيب السكن فله منا كل الشكر وكل الدعاء بالتوفيق دنيا وآخرة، وأما في موضوع المسبح فأود إلى أن أشير أن سيئون تشتهر بمسابحها الرائعة، حيث تقوم بالحجز على فترتين صباحية أو مسائية الصباحية تبدأ من العاشرة حتى الثالثة عصراً والمسائية من السادسة وحتى الثانية عشرة منتصف الليل، ويقومون في كل فترة بإفراغ المسبح وتنظيفه وتعبأته من جديد، وعندما تحجز المسبح فأنت تحجزه بالكامل مع مرفقاته ( في حالتنا كانت المرفقات حمامات ومطبخ واستراحة ).

ظهراً تغدينا وصلينا الظهر والعصر وانتقلنا إلى السكن الجديد وأخذنا قيلولة حتى العصر، وفي العصر توجهنا إلى المدينة التاريخية شبام حضرموت، هذه المدينة التي لطالما في استراحة لتناول الشايأسرتنا بجمالنا ودهشنا بحيويتها وسبحنا الله فيها، تسلب لبك المدينة منذ أن تشاهدها بناطحاتها المنتصبة وسط الصحراء كأساطير عملاقة، وبعد أن تدخل باب المدينة تجد على يسارك المقهى ومكان الاستراحة حيث تناولنا الشاي الحضرمي الشهير – لا أخفيكم أني لم أعجب بطعمه – وأخذ بعض المعلمين بلعب الدمنة، كما تجول آخرون بين أزقة المدينة للتعرف عليها وكان الاتفاق أن نصلي المغرب في المسجد الجامع المسمى بمسجد هارون الرشيد، ويقال أن سبب تسميته أن أول من أمر بترميم المسجد كان أحد حكام الدولة العباسية في اليمن بأمر من الخليفة هارون. بعد الصلاة توجهنا للخروج من المدينة، وقبل أن اختم فقرة مدينة شبام أشد على يد الأستاذ/ أبوبكر عباد عضو مجلس النواب عن دائرة شبام متابعة الاهتمام بهذه المدينة وخاصة مسألة رصف طرق وأزقة المدينة التي تعج بالغبار بشكل غير طبيعي.

مساءً توجهنا مباشرة إلى المسبح، في الحقيقة توقعت أن الوقت لن يكفينا من السابعة وحتى الثانية عشرة لذا طلبت تمديد ساعة، ولكن وبعد أربع ساعات من السباحة لم يعد أحد يرغب في الاستمرار أكثر، بصراحة أحسست أن العمر قد أخذ مني 🙂 .

صباح اليوم الثالث كان الجمعة وكان البرنامج يتضمن التوجه إلى مدينة تريم التي تشتهر بمزاراتها الدينية، وصلنا تريم العاشرة صباحاً حيث كان في استقبالنا الاستاذ/ محمد الكاف مدير فرقة المسرة الفنية، والذي أخجلنا بتواضعه الجم وأخلاقه الحسنة وهذه الصفة بصراحة يشترك فيها كل من قابلناهم من أهالي هذه البلدة الطيبة، الزيارة بدأت من مسجد الحداد، والسيد الحداد هو أحد العلماء الذين أتوا إلى تريم قبل عدة قرون ووجد أن الناس قد ابتعدوا عن الدين الحق واتبعوا البدع فبدأ الدعوة إلى الدين الحق والالتزام بتعاليم الدين الإسلامي وكان تأثيره كبيراً بين اتباعه، وبعد وفاته لللأسف بدأ بعض الناس في ابتداع أشياء ونسبتها إليه، زرنا في المسجد بيت السيد الحداد ومكان تعليمه للطلاب، ومصلاه الخاص، ويلحظ الزائر بساطة البيت وتواضعه، صلينا ركعتين في المسجد وقفلنا إلى مسجد المحضار ذو المأذنة المشهورة والتي يبلغ ارتفاعها أكثر من سبعة طوابق وهي مبينة بالكامل من الطين، وهذا المسجد لا تصلى فيه الجماعة لصغر حجم المصلى واتساع مساحة الصرح. توجهنا بعدها إلى دار المصطفى وفي الطريق تعرفنا على قصر القبة ومجموعة من قصور آل الكاف الذين كانوا من أثرياء المنطقة ولكنها هجرت وسافر أهلها وصارت خراباً. وصلنا إلى دار المصطفى وأخذنا جولة قصيرة في الدار لأن وقت صلاة الجمعة اقترب فتوجهنا إلى المسجد المجاور للدار، حيث خطب الشيخ/ عمر بن حفيظ. وبمجرد دخولك المسجد يدهشك أن تشاهد المسجد بالكامل قد امتلأ قبل الآذان ليس هذا فحسب، فقد شدني أن جميع المصلين يلبسون الثوب الأبيض والكوفية البيضاء، لذا فقد كان شكلنا غريباً داخل المسج، شدني أيضاً طول الدعاء في الخطبة الذي قارب طول الخطبة بالكامل، بعد الصلاة وقف قيم المسجد وبيده ورقة وطلب إلى المصلين القيام للصلاة على مجموعة من الأموات، وقد عرفت فيما بعد أنه إذا رغب أحد في الصلاة على أحد أقاربه فما عليه إلا أن يكتب اسمه ويضعه لدى قيم المسجد وسيصلى عليه يوم الجمعة صلاة الغائب، صلينا العصر جمعاً وقصراً، وأثناء خروجنا من المسجد رأينا جمعاً كبيراً من الناس في المسجد وبعد أن اقتربنا – على فكرة لم نضطر للمزاحمة لأن الناس يفسحون لك الطريق بمجرد رأيتك – وجدنا أنهم يسلمون على شيخ كبير في السن جالس عند أحد الأعمدة والناس يقبلون رأسه ويده والبعض منهم يبكي، في الحقيقة أثار هذا الموقف خلافاً كبيراً بيننا في الباص وكنت مع الرأي القائل أنه لا بأس أبداً بالتقبيل، عموماً عند خروجنا من المسجد التقينا بالشيخ عمر بن حفيظ الذي أصر على أن نكون ضيوفه على وجبة الغداء فاعتذرنا له لارتباطنا بالعودة إلى سيئون، استأذنا الاستاذ/ محمد الكاف وتوجهنا إلى أقرب مطعم لتناول طعام الغداء! وفي الطريق اتصل الأستاذ/ محسن بادويلة ليقول لنا أن طعام الغداء جاهز في سيئون فاعتذرنا له ببعد المسافة، المهم أننا ضيعنا عزومتين !

إحدى فرق الحارات في سيئون تحتفل بعيد الاستقلالعصراً كنا في سيئون التي خرجنا للتسوق في أسواقها ليتصادف ذلك مع احتفالات تقيمها فرق الحارات بعيد الاستقلال وقد تشجع منا الأستاذ/ عمر البنا ودخل ضمن إحدى الفرق وشاركهم رقصهم وأهازيجهم. بعضنا توجه إلى السوق الذي تفاجأنا بأنه مغلق، فاليوم جمعة والناس لا يعملون فيه، المهم وجدنا مجموعة دكاكين مفتوحة كان لنا فيه العزاء الوحيد، صلينا المغرب والعشاء وتوجهنا إلى المسبح، كان الأستاذ/ محمد الكاف ذكر لنا أن هناك حفلاً تقيمه فرقة المسرة في سيئون تمام الساعة الثامنة والنصف، فكان الرأي أن نذهب إلى المسبح بعدها نتوجه لحضور الاحتفال ثم نعود مرة أخرى إلى المسبح، خرجنا تمام الثامنة وذهبنا إلى العشاء وتأخرنا حتى التاسعة اتصلنا بأحد الشباب من فرقة المسرة الذي حضر ليدلنا على مكان الحفل، وفي الحقيقة كنا نظن أنه حفل عام لذا بقي حوالي خمسة مدرسين في المسبح بينهم الأستاذ المنشد/ محمد مطهر، عندما وصلنا المكان الذي كان عبارة عن مدرسة خديجة الأهلية كان الجو هادئاً تماماً إلا من بعض السيارات والدراجات النارية، دخلنا فإذا الناس في انتظارنا وإذا الحفل على شرفنا وخاص بنا فكان الإحراج كبيراً خاصة أننا تأخرنا كثيراً، بدأ الحفل بأنشودة ( إلا رسول الله ) من أحد أشبال فرقة المسرة الذي أدهشنا بأدائه الرائع، الأستاذ/ عمر البنا في إحدى مشاركاتهبعدها القى احد الإداريين كلمة ترحيبية بنا، ثم تكلم مدير المدرسة ورحب بنا، ثم تواصلت فقرات الحفل بأنشودة منهم تعقبها أنشودة تألق منا الأستاذ/ عمر البنا، والأستاذ/ عبد الله القليصي، وانتهى الحفل تمام العاشرة والنصف ونحن لا نرغب أن ينتهي. وفوجئنا أن عشاءنا جاهز فاعتذرنا لهم بأننا قد تعشينا وكانت هذه ثالث عزومة تضيع خلال يوم واحد! عدنا إلى المسبح وكم كان ندم الشباب الذين لم يحضروا كبيراً وصلنا السباحة حتى منتصف الليل ثم عدنا إلى مكان النوم.

اليوم الأخير من الرحلة انطلقنا قبل الفجر الذي صليناه في مدينة القطن ثم واصلنا المسير حيث وصلنا مفرق العبر فتناولنا طعام الإفطار ثم واصلنا طريقنا، وفي الطريق توقفنا لنأخذ جولة في الصحراء، مشينا على أقدامنا قليلاً ثم صعدنا كثيباً من الرمل لنشاهد منظراً قل أن حضرتي! وأنا أتأمل في الصحراء.نشاهده إلا في الأفلام العلمية، مساحة شاسعة جداً من الرمال والكثبان لا يرد بصرك شيء تلتفت يميناً أو شمالاً فلا ترى إلى الكثبان الرملية. تسابقنا على الرمل، وأخذنا جولة في الصحراء التي لم تكن رمالها قد سخنت بعد. عدنا بعدها إلى حافلتنا لنواصل مسيرنا إلى محافظة مأرب التي وصلناها العاشرة والنصف صباحاً.

وصلنا مأرب فتوجهنا لزيارة المعالم التاريخية بداية بزيارة معبد المقة، الذي فوجئنا بتوقف اعمال الحفر والتنقيبات فيه بسبب التفجيرات الإرهابية في المحافظة، فتألمنا كثيراً لأننا توقعنا أن نشاهد شيئاً جديداً من آخر مرة زرنا فيه المعبد، حالياً لا يوجد سوى حارس واحد كبير في السن يحمل بندقية آلية على كتفه، ويحمل في يده مجموعة من التماثيل الصغيرة والأختام الحميرية يعرضها للزوارأنا والأستاذ/ فؤاد العواضي في زيارة للمعامل الأثرية في محافظة مأرب – لا أعلم إن كان يرغب في بيعها! – بعدها توجهنا إلى عرش بلقيس الذي لم نستطع دخوله في المرة الماضية، لكننا هذه المرة دخلناه بعد أن دفعنا للحارس الوحيد 500 ريال تجولنا في العرش والتقطنا بعض الصور واشترينا برتقالاً من مزرعة قريبة ثم توجهنا إلى سد مأرب، تأخذك الدهشة عندما تشاهد آثار السد القديم وكيف أنك تنطلق بالسيارة لأكثر من خمسة دقائق داخل حدود السد القديم قبل أن تصل إلى السد الجديد الذي أعيد بناءه عام 1986م على نفقة الشيخ/ زايد بن سلطان آل نهيان – رحمه الله – . بعد زيارة السد توجهنا لتناول طعام الغداء والصلاة، ثم انطلقنا إلى صنعاء التي وصلناها الرابعة والنصف عصراً .

تعليق واحد على “رحلة المعلمين وإدارة المدارس إلى وادي حضرموت”

  1. كنت أتمنى أن نجد لقطات فيديو نشاهد من خلالها المشاهد الجميلة التي تحدثت عنها حتى نشارككم هذه الرحلة عن بعد ونعيش معكم وان كنابعيد عنكم .
    وكم كنت اتمنى أن تبين لنا الأسلوب الذي تم تطبيقه في هذه الرحلة ودور كلا من المعلم والطالب وهل كان للطالب في هذه الرحلة دورا ايجابيا يستفيد منه في مستقبل حياته ويعلمه الاعتماد على النفس ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *