المعوق سواء كانت إعاقة كلية أو جزئية ، وسواء أكانت هذه الإعاقة بدنية أو عقلية وسواء كانت هذه الإعاقة طبيعية أو نتيجة فعل فاعل فهذا المعوق في الأول والأخير هو (( إنسان )) وهو إنسان بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى فكون الذات الإلهية قد قدرت على هذا الفرد عاهة من العاهات فليس يعني ذلك حرمانه من حقوقه كلها أو بعضها ، وليس يعني ذلك على الإطلاق نقصان حق من حقوقه المادية أو المعنوية .
إذاً : هذا المعاق هو كائن حي مثله مثل أي إنسان آخر وله مثله سواءٌ بسواء ومثل بمثل حقوق وواجبات ، إن كانت هذه الحقوق والواجبات تختلف نوعاً وكماً بين إنسان معاق وإنسان سليم ..
ومع التسليم بوجود فوارق في الحقوق والالتزامات بين المعاق والسليم فذلك لا ينفي البتة المماثلة والمساواة بينهما … فكل له حقوق وواجبات تتناسب وصحته ومرضه ، وتناسب وبلوغه وصغره وتتناسب وجنسه ذكراً أو أنثى ..
الإعاقة يجب أن لا تكون مثلبة في الشخص و نقصاً في شخصيته ولا عيباً من عيوبه .. وتأكيداً لذلك نقول أن التاريخ قد ذكر لنا المئات بل الألوف من ذوي العاهات وهم من أشراف العرب ومشاهيرهم ..
كما أن الإعاقة ليس مانعاً من النبوغ والعبقرية فقد عرفنا من هؤلاء المعاقين أمثلة شتى ونماذج عدَّة كانوا وبحق قمماً وعمالقة في مجالات الأدب والفكر والعلم والحلم والحكمة . وما ذلك إلا تدعيم لنظرية التعويض التي يبثها الله تعالى في نفوس هؤلاء ، فالله عز وجل إن أخذ من إنسان نعمة أبدله الله خيراً منها ، وصدق الله العظيم القائل في محكم كتابه الكريم : (( إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور )) .
وآفات الدنيا كثيرة وأمراضها عديدة ومنها :
الجُذام والبرص والعمى والعرج والحول والصلع والشلل وغيرها كثير ….
وقد جاء ديننا الإسلامي الحنيف ، وأنصف هؤلاء المعاقين وأعطاهم حقهم كاملاً دون نقصان .
فهو قد جعل معيار الفضل بين الناس (( التقوى والعمل الصالح )) . وقصة الصحابي الأعمى / عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه في سورة عبس واضحة جلية ، كما أن قصة الصحابي الأعرج / عمرو بن الجموح في سيرة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ليست خافية على أحدٍ من الناس ..
ومن أمثلة تكريم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهؤلاء المعاقين قوله مطمئناً لهم ولنظرائهم الأصحاء (( لا عدوى ولا طِيَره )) وسنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم العملية ومجالسته لهؤلاء وتقليدهم أدواراً رائدة خير شاهد على إنصافهم واحترامهم …
جاء الإسلام ومنذ الوهلة الأولى لظهوره حاملاً معه للمعاقين بشيرات عظيمة ، معترفاً لهم بحقوق ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية ، ونظر إليهم نظرة إنسانية ، وعاملهم معاملة عادلة ومنصفة في وقت لم يكن لهذا المخلوق المعاق في الشرائع الأرضية السابقة ولا في تلك القوانين الوضعية الغابرة أي قيمة ، وليس له أدنى أهمية .
لقد هدف الإسلام من وراء إحقاق الحقوق لهؤلاء المعاقين ، أن يساهم جميع الناس في بناء المجتمع أن يشترك الجميع في التعاون والتكامل والتكافل كلٌ حسب طاقته واستطاعته ، ودونما تهميش أو تنقيب أو إهمال لهذه الفئة من الناس أو تلك . بحيث لا يتميز فريقٌ عن فريق آخر ، فتكون الثمرة الاجتماعية حقد وكراهية وبغضاء بين طائفة المعاقين من ناحية وبين غيرهم من ناحية أخرى .
ومن هنا منح الإسلام المعاقين من ضمن ما منحهم حق مزاولة الألعاب الرياضية بشتى أنواعها وبمختلف أشكاله . ولا يقيدهم في ذلك إلا إمكاناتهم البدنية ، وقدراتهم الجسدية ..
والإسلام لم يقرر لهم ذلك فحسب بل شجعهم على تكوين الأندية وتشكيل الفرق الرياضية وتنظيم بطولات محلية وإقليمية وإجراء المسابقات الميدانية وتوزيع الهدايا والجوائز والكؤوس للفائزين منهم .
والإسلام أيضاً لم يكتف بإقرار ذاك الحق الأصيل .. بل ولم يكتف كذلك بالتشجيع على الرياضة مادياً ومعنوياً ، بل اعتبر تلك الرياضة البدنية والذهنية نوع من أنواع العبادة ويؤجر المرء على مزاولتها سواء كانت المزاولة قد تمت فردية أو جماعية .. وسواء أكانت منزلية أو ميدانية .
وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : (( إن لبدنك عليك حقا )) .
ويقول الصادق الأمين أيضاً : (( علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل )) . ودونما تفرقة بين معاقٍ أو سليم .
ويقول كذلك : (( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف )) . وهذا الحديث مثله مثل سابقيه جاء بصيغة العموم لا التخصيص ، وبالتالي فهو يشمل ذوي العاهات والأصحاء .
إذن جاء الإسلام الحنيف بهذه القيم السماوية الخالدة التي سميت وارتفعت على القيم الأرضية والوضعية .
ولن تصاب بالدهشة إذا لاحظنا حالياً قصور الدول العربية والحكومات الإسلامية في إهمال رياضة المعاقين وإغفال ألعاب ذوي العاهات ، فهذه الدول وتلك الحكومات قد أهملت العديد من الواجبات الإسلامية والكثير من الفرائض الشرعية .
ولن نتعجب من اهتمام الدول الغربية وأمريكا برياضية المعاقين ، وبناء أجسامهم وعقولهم ، وتخصيصها الميزانيات الضخمة لذلك الغرض .
لأن الأمر لا يعد أن يكون تنافسياً بيننا وبينهم (( وفي ذلك فليتنافس المتنافسون )) صدق الله العظيم .
ويكفينا المسلمين فخراً أن ديننا أقر هذه المبادئ للمعاقين باعتبار آدميتيهم وبالنظر إلى إنسانيتهم وباعتباره حقاً لصيقاً من حقوقهم الشخصية التي لا يجوز بيعها ولا هبتها ولا التنازل عنها ولا الحجز عليها ولا رهنها أو هديتها .
وذلك خلاف الدول الغربية الذي أقرت هذا المبدأ للمعاقين من قبيل الرمة بهم والشفقة عليهم ، وليس حقاً لهم بل هو بالنسبة لتلك الدول الأوربية هبة ومنه من الدولة لهؤلاء المصابين بالعاهات المختلفة ..
ومن هنا نجدد الدعوة ونكرر النداء لدولتنا راجين منهم الاهتمام برياضة المعاقين ومنحهم الفرصة الكاملة لمزاولة رياضتهم وأداء تمارينهم وتدريباتهم المختلفة .
والله الموفق
أنس يحي العوامي