كثيرا ما نسمع كلمات الشكوى و الألم الصادرة من أرباب العملية التعليمية في كافة القطاعات التعليمية الحكومية و الخاصة و كثيرا ما نسمع صيحات الأسى و الحزن المنبعثة من جنيات ذلك المعلم المكدود المتعب الذي يقضي جل يومه بين الفصول الدراسية يفقد كل طاقاته و إمكاناته النفسية في يوم دراسي ينتظر فراغه بفارغ الصبر و كأنما يقاسي الأمرين من هذه المهنة المتعبة. هذه الكلمات التي تصدر من معظم المعلمين أوقعت في نفسي تساؤلا كبيرا لماذا ننظر نحن معشر المعلمين لهذه المهنة العظيمة بهذا القدر من الكره و البغض؟
لذا قررت إن ابحث في هذا الموضوع و خلصت إلى أن المعلم هو من افسد عليه مهنته و اتعب نفسه و أرهقها بدون فائدة أو جدوى و نستطيع أن نرى ذلك جليا في مستوى أدائنا الصفي و إذا ما قارنا ما تقوم به المعلمات في هذا الحقل لوجدنا هؤلاء العظيمات هن من يتربعن على كرسي الإبداع و الإخلاص ولا انفي وجود الإبداع بين المعلمين الذكور و لكن المعلمين غالبا لا يفكرون كيف يبدعون و لو أنهم أرادوا لكانوا أكثر إبداعا و أكثرا إنتاجا . و في رأي فان غالبية المعلمين و من امتهن هذه المهنة العظيمة مجبرون على أداء هكذا عمل لأنهم لم يجدوا البديل و لو وجد إخواني المعلمين البديل لمل ترددوا إطلاقا في الهروب من هذه الوظيفة المقيتة.
لو إن كل معلم حب عمله و وظيفته و نظر إليها بايجابية لما وجدنا من يشكو من مهنة التدريس و لما وجدنا هذا الكم الهائل من مخرجات التعليم العقيمة و غير النافعة و التي جعلت الحصول على النتيجة هدفا وسخرت كافة الإمكانات الشرعية و غير الشرعية لتحقيق هذا الهدف.
أثناء مروري في أروقة المدرسة يتبادر إلى أسماعي صيحات الوعيد و التهديد و الويل و الثبور الصادرة من المعلم و شد انتباهي العلاقة المتوترة بين المعلم و طلابه و هذا الجو المكهرب يكون فيه التعليم مستحيلا بل غير ممكنا إضافة إلى العلاقة الغير مستقرة بين المعلم و المتعلم و ربما قد ينتقل الأمر إلى هدف غير تربوي إذا تحول هذا العداء إلى عقاب و فقد المعلم سيطرته على أعصابه و قد يتطور الأمر إلى ما هو ابعد من ذلك فقد يكره المتعلم المادة و يعزف عنها و قد يكره المتعلم المدرسة بل و يؤدي في النهاية إلى الهروب منها و ما وصل إليه التعليم في بلادنا لهو خير دليل على التدهور الكبير بين الطلاب و معلميهم و التي تؤدي إلى ارتفاع نسبة التسرب و الهروب من المدرسة في جميع المراحل العمرية للطلاب
وصلتني شكاوى عديدة من أباء فاضلين حول عزوف أبنائهم عن التعليم و عدم رغبته للدراسة بل عدم حبهم لمدرس بعينه و عند البحث في مثل هذه القضايا اتضح لي بحيث لا يدع مجالا للشك أن المعلم هو من أوصل الطالب إلى هذا المستوى
يا اخوانى ليس كل الطلاب يستحقون العقاب و ليس كل الطلاب مقصرون بل و ليست العقوبات هل الحل الأمثل للطلاب المقصرين . إن جعل مثل هذه القضايا الوسيلة الأساسية للتعليم و العمل بمبدأ علقوا السوط و اضربوا أدت إلى المستوى الردئ الذي و صلت إليه حالة التعليم في بلادنا .
يجب على المعلم أولا أن يدرك انه يتعامل مع كيان بشري غير معصوم من الخطأ و أن هذا الكيان البشري له أحاسيس و مشاعر و انه يتأثر سلبا و إيجابا بما يحيطه من عوامل و مؤثرات و إن مثل التأثر ينعكس أيضا سلبا و إيجابا على شخصيته و نفسيته. ا
الطالب الذي يكره التعليم لم يخلق هكذا يكره التعليم و الأحاديث النبوية الشريفة خير دليل على هذا الأمر و الفطرة الإلهية الكونية هي من أكدت نفى مثل هذا القول فكل مولود يولد على الفطرة و يكتسب من البيئة المحيطة الاتجاه السلبي و الايجابي و لذا وجب علينا كمربين و معلمين أن ندرك دورنا الأساسي فنحن لسنا سلال متحركة ممتلئة بالمعلومات و المعارف ننقلها و ننثرها للطلاب في كل الحصص الدراسية بل نحن معلمين و مربين و موجهين و مرشدين و معالجين نهتم بهذا الكيان الإنساني و نعالج وضعة للخروج به ليحقق لنا الهدف الأسمى و هو استعمار و استخلاف الأرض وفق المنهج الرباني . و استغرب اشد الغرابة عندما أتحدث مع بعض المعلمين حول هذا الموضوع و أجده يتحدث عن الدور التعليمي فقط و اجزم قائلا أن معاهد التربية و التعليم التي أنشئت مثل هذا المعلم لم تغرس فيه حب المهنة بل ولم توضح له الدور الأساسي لعمله و ما هو الهدف الرئيس من كونه مدرسا . فلو أن المعلم عرف دوره بوضوح لاستطاع أن يلج إلى قلب كل طالب و لاستطاع أن يأخذ كل ما يريد و هو مبتسم وبل و لما احتاج أن يصطحب عصاه المصونة مختفية تحت كتبه و في حقيبته ليستخدمه على حين غرة و في غفلة من أعين الرقباء .
يا أخي المعلم إن تترك صفة تحمد عليها في غيابك لهو اكبر انجاز و اكبر هدف حققته في حياتك و أتحداكم معاشر المعلمين الأفاضل أن تنفوا جازمين انه لا توجد لكم ذكريات مؤلمة أو سعيدة مع معلم أو معلمين أثناء دراستكم . و أتحداكم أيضا أن تنفوا وجود تجارب مؤلمة في حياتكم الدراسية . إذن إذا كنا نحن المعلمين لا نجد القدرة الكافية لنفي مثل هذه التساؤلات فلماذا لا نطبق مثل هذه الخبرات مع طلابنا و إن نغرس لديهم الايجابيات حتى عبر الخبرات السعيدة و الابتعاد قدر الإمكان عن الخبرات المؤلمة لان ما لا ترضاه لنفسك يجب ان لا ترضاه لغيرك و إن كان هذا الغير هو تلميذك.
إنا واثق تماما من أن الطلاب المشاكسين و المزعجين و أصحاب المشكلات التعليمية ليسوا كذلك بل نحن من أوصلناهم إلى هذا المستوى و ربما قد نصنع منهم أشخاص يكرهون التعليم و المجتمع و قد نؤدي الدور المعكوس فبدلا من أن نبني نهدم . إنا متأكد تماما أن لكل شخص مدخل يستطيع الإنسان الولوج من خلاله إلى سبر غور شخصيته الإنسانية و أن لكل قفل مفتاح و أن لكل شخص أيضا مفتاح و ما على المربي و المعلم سوى التفكير العميق في كيفية اكتشاف هذه الشخصية و التقرب منها و كسر الحاجز النفسي القائم بين المعلم و طلابه. فخير للمعلم أن يجعل طلابه يحبونه بإرادتهم من أن يحبونه مجبرين ففي الأولى سيبذل المحب كل ما يستطيع لإرضاء من يحب و في الثانية سيفكر الطالب كيف يتخلص من القناع الذي يرتديه بل و سينتظر الفرصة السانحة ليخرج كل ما يشعر به من اتجاهات سلبية نحو هذا الشخص الذي يبغضه.
إن التدريس متعة لا يجدها إلا من يحب التعليم و التدريس و سوف يجد كل المنغصات و المشكلات و العوائق لكنها تتحول في إطار هذا الحب إلى ورود و رياحين و بلسم تمسح كل الآلام و التعب بل و قد يجد نتاج ذلك الحب بسمة يطلقها طالب صغير عندما يلاقيه فيشعر أنها نابعة من قلبه و غير مصطنعة أو عبارة يكتبها طالب أخر يرسلها بطريقة غير مباشرة أو هديه يضعها في درجه دون علمه . كل هذه الشارات تدلك عل انك في الطريق الصحيح و على النقيض من ذلك قد تجد الألفاظ و العبارات الكريهة و التي قد لا يصرح بها الطلاب بل قد يتهامسون بها بينهم و يكتبونها خفية في دفاترهم أو تجدها قسمات كره و ملل بادية على وجوههم .
فكن أخي المعلم حذرا و كن واثقا أن دورك صعب و أن مهمتك شاقة و لكن التمس الأجر و الثواب من الله و انظر إلى انجازاتك فهى خير علاج لما تلاقيه من متاعب .
وفقكم الله جميعا
أخوكم و محبكم
عبد الله فرحان
5
المعلم ركن رئيس في العملية التعليمية ، ونجاحه في عملية التعليم والتعلم يعد نجاح للعملية التعليمية لمجتمعه أيا كان ، والمجتمع أ الذي نجح في إيجاد معلمين أكفاء تمكنوا من إكساب طلابهم القيم الايجابية والمعارف الحديثة وأكسبوهم المهارات والسلوكيات التي تمكنهم من النجاح في حياتهم وآخرتهم ، مجتمع بلا شك يولي التعليم مكانة في سلم أولوياته .
صحيح الوازع والتذكير قد يسهمان في صياغة المعلم الكفوء ، لكن هذا لن يؤثي ثمرته إلا من قلة من المخلصين .
ولنكن صادقين مجتمعنا لا يجعل التعليم في سلم أولوياته ، وكلنا يدرك وضع التعليم في واقعنا اليمني ، والأرقام التي تعكس تدني المستوى التعليم والإنفاق على التعليم قد تصيب البعض بالإحباط .
ولكني أقول أن أشخاصاً بروح كاتب المدونة ومؤسسات تعليمية تضيئ شمعة في واقع مظلم ، قادرة باستعانة بالله وإرادة قوية وتحد للواقع أن تنتزع من المعلمين من ترى فيهم روح التغيير ، وطموح النهوض بمجتمعه ، وتجتهد بقدرها على توفير بيئة مرضية للمعلم .
التغيير يحتاج لوقت ، المهم أن تضل روح الأمل ، وألا تخبو العزيمة والإرادة ، والثقة بعون الله ..