التفكير و تنميته لدى أبنائنا

كتبت في نهاية العام الماضي بعض الملاحظات و التأملات في مدونة مدارس الرشيد و كان من ضمنها إهمال جانب التفكير لدى تربيتنا و تعاملنا مع الطلاب و بالعودة إلى الموضوع و أثناء النقاش الذي دار بيني و بين احد الموجهين المتخصصين خلصت إلى أن مهارات التفكير البسيطة و بعيدا عن المهارات العالية بما فيها التفكير الإبداعي ما زالت لم تنال الجزء الأوفر في العملية التربوية ابتداء من المنزل و انتهاء بالبيئة المدرسية و أنا لا اعتب على القائمين في السلك التعليمي كونهم ليس لديهم الرؤية الكاملة و أن وجدت فالقصور واضح في المناهج التعليمية و طرائق التدريس و البيئة المحيطة فالمجتمع لم يصل إلى تفعيل العقل بالشكل المطلوب و اضرب على ذلك بعض الأمثلة التي لمستها جلية خلال عملي كوكيل للمرحلة الأساسية

احد الآباء اغفل جانب العقل و حتى جانب الذوق في التعامل و هو يتخاطب أثناء مشكلة حدثت ترتب عليها اعتذارات كان في غنى عنها لو فكر قليلا قبل أن يتصرف مثل هذه التصرفات

احد المدرسين يستخدم العصا و بغضب تلفظ بألفاظ قد تكون انتقاصا في أدمية الطالب ترتب عليها الحاجة للاعتذار

مثل هذه التصرفات هي أفعال اعتيادية يومية نراها في المنزل و الشارع و المدرسة و المسجد و في كل مكان و هي نتاج عن انعدام مهارات التفكير العادية و التي نحن بأمس الحاجة إليها . سائق السيارة في الشارع العام لو فكر و هو يتحدث مع آخر انه عطل السير من خلفه و تسبب في تكوم طابور من السيارات و لو فكر ببدائل لكان من الحري به أن يوقف سيارته جانبا و يتحدث مع الأخر كيف شاء

مثل هذه الظواهر التي نلاحظها مردها إلى انعدام التفكير و لو أردنا أن نعزز مهارات التفكير لدى أبنائنا يجب علينا أن نكون أكثر حرصا على توفير البيئة المناسبة التي تثير فيهم الفضول و التساؤل و تجعلهم يفكرون بطريقة و إن كانت متعبة و مرهقة إلا أنها تدربهم على التفكير الإبداعي و سوف أناقش باختصار ما يمكن فعله لتدريب الأبناء على مهارات التفكير

في المنزل و منذ الصغر و أثناء لعب الطفل و عبثه بالأشياء يجب علينا أن نركز على الألعاب التي تبعث على التساؤل و تعطى فرصة للطفل ليفكر كيف يركب و كيف يلعب و كيف يبني علاقات و إن كانت بسيطة ويجب الحرص من الأب و الأم أن يفكرا بالعاب مثالية تنمي التفكير مثل المكعبات و غيرها التي يستخدمها الطفل في البناء و الربط.

لاحظت و إنا في القرية ابتكار بعض الأطفال لألعاب بسيطة من نتاج عقولهم كوسائل بديلة للألعاب المصنعة مثلا احدهم صنع سيارة من علب السمن و إطاراتها من مخلفات الأحذية البلاستيكية و هذا في اعتقادي نوع من التفكير و يساعد كثيرا على التعامل مع البيئة المحيطة.

ننتقل بعد ذلك على دور المراحل العمرية الدنيا من الروضة و التمهيدي و الصفوف المبكرة في تعزيز التفكير لدى الطلاب و أود أن أركز علة الخطأ الفادح الذي يرتكب في هذه المرحلة و هو تكديس المعلومات و المعارف العلمية و تعويد الطالب على الحفظ و التكرار و يلاحظ ذلك جليا في الصفوف الدنيا لماذا فقط نركز عل المعارف و نهمل الجانب العقلي و مهارات التفكير . إن سؤال لماذا في كل ما يحيط بالطفل يعزز لديه التفكير فيبدأ بالبحث عن تعليلات و علاقات و ارتباطات تكون لديه مفاهيم و معارف تساعده على التعلم التلقائي و بعيدا عن الحشو و التكرار مثلا لماذا تصنع النوافذ و لماذا توضع الستائر…… الخ؟ و يمكن ان نضع مثالا آخر : أثناء تدريس الوضوء و الطهارة لابد لنا من أن نجعل الطفل يفكر في أسباب الحرص على الوضوء و التطهر و أن نحاول أن نضعه في موقف يفكر فيه مليا حتى يجد التعليل المناسب و لذا فنحن نربط الوضوء بالصلاة فقط و على ضوء هذه العلاقة العادية فالمتعلم يرى أن الوضوء فقط من اجل الصلاة و انه بعد أدائها ليس من الضروري أن يتطهر الإنسان و كثيرا ما نجد الأطفال في صورة رثة و متسخة كونهم لم يجدوا الأسباب الحقيقة للوضوء و التطهر و لذا يمكن أن نربط علاقات عقلية عند طلابنا من أجل أن نغرس هذه المفاهيم في سلوكياتهم فتصبح عادة يمارسها الأبناء بتلقائية و باردة ذاتية .

إن المتلمس للواقع التعليمي ليجد من الأمور ما تجعله يشفق على المتعلمين و يرثى لحالهم بل و يبحث عن حلول تساعده فهم في صراع دائم بين الحفظ و الواجبات و المادة العلمية ففي الصفوف الأولى يجبر الطفل على استخدام القلم الصغير و هو في نفس الوقت لم يصل المرحلة التي تؤهله لعمل مثل هذا التدريب بل و يجبر الطالب على كتابة الحروف و الكلمات و فق الطريقة الصحيحة و يعاقب الطالب عند التقصير في ذلك . لذا فنحن نخلق لدى الطلاب إعاقات غير مباشرة فيكبرون لا يستطيعون مسك القلم بالطريقة المناسبة و تصبح خطوطهم رديئة في جميع المراحل العمرية . نستطيع أن نساعدهم باستخدام الأقلام الكبيرة و الصلصال و أن نطلب منهم استخدام عقولهم لتشكيل الصلصال مثل الحروف أو رسم الحروف و أن نعزز مهارة التفكير لديهم بخلق بيئة مناسبة و دائما إخواني المربين استخدم أداة الاستفهام لماذا لتثير مهارات التفكير لديهم

في المنزل كثيرا ما يسألني الأبناء عن إجابة سؤال معين في مادة معينه و يتكرر منهم هذا السلوك كثيرا و إثناء بحثي في الموضوع اتضح أن الأبناء غير قادرين على البحث عن إجابة لمثل هذه الأسئلة في جنبات المقرر الدراسي و اخص بذلك المقررات الإنسانية و أن الطالب ليس لديه القدرة على وضع افتراضات لحل هذه الأسئلة فلو علمناهم طريقة و ضع الفرضيات ومنها أن الإجابات قد تكون ضمن شرح الدرس او في الملخص السبوري و انه يجب أن نبحث أولا فإذا لم نج الإجابة اتجهنا بعد ذلك للبحث عنها عند المتخصصين. و يجب علينا أن نعلمهم البدء بالبحث في هذه الفرضيات للوصول للحل الصحيح فهم دائما يريدون الإجابات و الحلول جاهزة لديهم في المنزل و في المدرسة و قديما قالوا لا تؤكلني بيدك و تضع الطعام في فمي بل علمني كيف آكل و ليس صحيحا أن تعطيني السمك يوميا بل علمني كيف ارتاد البحر و اصطاد السمك و الحكمة هذه توضح أهمية تعليم الأبناء الاعتماد على أنفسهم . قد أبالغ إذا قلت لكم انه يوجد طلاب في المرحلة الإعدادية مازالوا معتمدين كليا على أمهاتهم و إبائهم في المذاكرة و كتابة الواجبات واكل الطعام و ترتيب الغرفة و ترتيب الجدول و مساعدتهم في لبس الملابس بل يتجاوز مساعدتهم في دخول الحمام . إن مثل هذه التصرفات هي القشة التي قصمت ظهر البعير و ما نراه جليا حولنا لهو خير دليل على المستوى المتدني الذي وصلنا إليه. انظروا في واقع الأمة إنها أمه مستهلكة من المستوى الأول هم يقولون لنا لا تفكروا لا ترهقوا أنفسكم بالعمل و الصناعة لا تدعوا الراحة و الدعة نحن سوف نوفر لكم كل ما تريدون ما عليكم سوى الدفع و نحن في خدمتكم . هم يريدون منا امة خانعة ذليلة تابعة قراراها ليس بيدها.

أيها المربون من أباء و أمهات و معلمين و معلمات انتبهوا إلى الدور الذي تمارسونه و اتقوا الله في تربية هذا الجيل علموهم فان الزمن القادم سيكون أصعب و اشق و أن عليكم مسئولية كبيرة في تعليمهم الاعتماد على أنفسهم بحيث يكونون قادة مؤثرين ينفعون أمتهم ووطنهم.

الطالب الذي يطرح الأسئلة قد يتأذى منه الأب و الأم و المدرس فهو دائم التساؤل و المجتمع الذي بجواره لم يصل إلى مرحلة النضج الفكري المناسب ليتقبل و يتفاعل مع مثل هذه النوعية من الأطفال فنجده يكبتهم و ينهرهم بل و يعاقبهم مما يؤدى إلى تعطيل المهارات الضرورية للتفكير لدى الطلاب

إن طرح التساؤلات التي تثير غريزة التفكير لدى الطلاب تنمي لديهم المهارات الضرورة لاستخدام العقل و عموما دورنا مهم جدا للارتقاء بهذا الجيل أتمنى أن تكون الرسالة قد وصلت .

أخوكم

عبد الله فرحان

وكيل المرحلة الأساسية في مدارس الرشيد

تعليق واحد على “التفكير و تنميته لدى أبنائنا”

  1. كثيرا من نتكلم عن البيئة بكل مكوناتها الايجابية والسلبية الااننا غالبا ما نسرف في التركيز على سلبياتها واثرها في اساليب التنشئة والتربية يترافق ذلك مع مشكلة تعترينا اونواجهها في ادائنا وتوجيهنا التربوي وكاننا نجدفيها مبررا يخفف من معاتبتنا لنفسنا عتدما نقصر في بذل الجهد لدراسة واختيار المعالجات المناسبة لكنني مؤمن ومتاكد اننا لوبذلنا جهدا ووقفنا مع انفسنا بتحد ان نتغلب على هذا الواقع ونقدم نماذج رائعة في التوجيه والتربية سنكتشف اننا نملك قدرات تحتاج فقط من يعزم وينطلق بها ليكون بحق هوالمربي والموجه والمرشد .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *